وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)

 

وهذه الآية الكريمة تذكرة لنا بكيفية الرد على من يدعون التحرر ويحاولون إظهار الإسلام بأنه يصلح للعصر الذى نحياه عندما نؤوله ونطَوعه لمرادات العصر، ناسين مرتدات الإسلام؛ فهم يقولون: لقد شرع الحق الحرب فى الإسلاملرد العدوان. ونقول لهم: صحيح أن الحرب فى الإسلام لرد العدوان، والحرب فى الإسلام أيضاً هى لتوسيع المجال لحرية الاعتقاد للإنسان.

 

إن الذى يخيف هؤلاء أن يكون القتال فى الإسلام فريضة، فيقاوم المسلمون الطغيان فى أى مكان. وهذه محاولة من أعداء الإسلام لصرف المسلمين حتى لا يقاوموا قهر الناس والطغيان عليهم؛ لأن أعداء الإسلام يعرفون تماماً قوة الإسلام الكامنة والتى يهبها لمن يؤمن به ديناً، وينخدع بعض المسلمين بدعوى أعداء الإسلام الذين يقولون: إن الإسلام لم يشرع الحرب إلا لرد العدوان.

 

ولذلك نقول لهؤلاء وأولئك: لا؛ إن الإسلام جاء بالقتال ليحرر حق الإنسان فى الاعتقاد. والمسلم مطلوب منه أن يعلن كلمة الله، وأن يقف فى وجه من يقاوم إعلانها، ولكن الإسلام لا يفرض العقيدة بالسيف، وإنما يحمى بالسيف حرية المعتقِد، فالحق يقول : "ولا تهنوا فى ابتغاء القوم" أى لا تضعفوا فى طلب القوم الذين يحاربون الإسلام، والابتغاء هو أن يجعل الإنسان شيئاً بغية له، أى هدفاً وغاية، ويجند لها كل تخطيطات الفكر ومتعلقات الطاقة، كأن الإنسان لا يرد القوم الكافرين فقط ساعة يهاجمون دار الإسلام، ولكن على المسلم أن يبتغيهم أيضاً امتثالاً لقول الله: "ولا تهنوا فى ابتغاء القوم". فعلى المسلمين أن يُعْلُوا كلمةَ الله ويدعوا الناس كافة إلى الإيمان بالله. وهم فى هذه الدعوة لا يفرضون كلمة الله، لكنهم يرفعون السيف فى وجه الجبروت الذى يمنع الإنسان من حرية الاعتقاد. إن على المسلمين رفع الجبروت عن البشر حتى ولو كان فى ذلك مشقة عليهم لأن الحق قال:

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ)

(من الآية 216 سورة البقرة)

وقد خلق الله فى المؤمن القدرة على أن يبتغى عدو الإسلام ليرفع الجبروت عن غيره من البشرِ، صحيح أن الحرب مسالة مكروهة من البشر وليست رحلة سهلة، ولكنها أحياناً تكون واجبة، والذين أدركوا الحرب العالمية الثانية عرفوا أن "تشرشل" جاء رئيسا لوزراء بريطانيا بعد "تشمبرلن" الذى عرف عنه أنه رجل سلام، وحاول "تشمبرلن" أن يماطل ويلوح بالسلام مع ألمانيا حتى تستعد انجلترا بالحرب، وعندما استعدت انجلترا أعلن "تشمبرلن" أن سياسته غير نافعة، وجاء "تشرشل" وقاد دفة الحرب، وقال الإنجليز:

-         انتظروا أياماً سوداء وانتظروا الجوع.

 

لقد قال تشرشل ذلك للإنجليز، حتى إذا ما جاء الواقع بأقل من قوله، فهم يستبشرون ويفرحون.

 

والحق سبحانه يقول: "ولا تهنوا فى ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون". إن الحرب ترهقهم أيضاً كما ترهقكم، لكنكم أيها المؤمنون تمتازون على الكافرين بما يلى : "وترجون من الله مالايرجون وكان الله عليماً حكيماً". فأنتم وهم فى الألم سواء، ولكن الاختلاف هو أن المؤمنين يرجون ما لا يرجوه الكافرون، إن المؤمنين يعلمون لحظة دخولهم الحرب أن الله معهم وهو الذى ينصرهم ومن يمت منهم يذهب إلى جنة عرضها السموات والأرض، وهذا ما لا يرجوه الكفرة.

 

والحق سبحانه وتعالى يطالب الفئة المؤمنة التى انتهت قضية عقيدتها إلى الإيمان بإله واحد؛ هو- سبحانه أنشأهم وخلقهم وغليه يعودون، وهذه القضية تحكم حركات حياتهم؛ إنه سبحانه يطالبهم أن يؤدوا مطلوبات هذه القضية، وأن يدافعوا عن هذه العقيدة التى تثبت للناس جميعاً أنه لا معبود- اى لا مطاع فى أمر إلا الحق سبحانه وتعالى.

 

وحين تحكم هذه القضية أناساً فهى توحد اتجاهاتهم ولا تتضارب مع حركاتهم، ويصبحون جميعاً متعاونين متساندين متعاضدين؛ لذلك جعل الله الطائفة المؤمنة خير أمة أخرجت للناس؛ لأن رسولها صلى الله عليه وسلم خير رسول أرسل للناس، وطلب الحق من أهل الإيمان أن يجاهدوا الكافرين والمنافقين لتصفو رقعة الإيمان مما يكدر صفو حركة الحياة.

 

والحق يعامل خلقه كبشر، إنَه خلقهم ويعلم طبائعهم وغرائزهم ولا يخاطبهم على أنهم ملائكة، وإنما يخاطبهم على أنهم بشر، وهو اغيار ، ومن الأغيار أن يصفو لهم أمر العقيدة مرة، وأن تعكر عليهم شهواتهم صفو العقيدة مرة أخرى؛ لذلك يؤكد لهم أن طريق العقيدة ليس مفروشاً بالرياحين والورود، وغنما هو مفروش بالأشواك حتى لا يتحمل رسالة الحق فى الأرض إلا من صبر على هذه البلايا وهذه المحن. فلو كانت القضية على طرف الثمام(1)الثمام: عشب لا يطول له زهر يسهل أخذه وقطفه.

أى سهلة التناول لا مشقة فى الحصول عليها وتدرك بدون آلام وبدون متاعب فسيدعيها كل إنسان ويصبح غير مأمون على حمل العقيدة.

 

من أجل ذلك لم ينصر الله الإسلام أولاً، إنما جعل الإسلام فى أول أمره ضعيفاً مضطهداً، لا يستطيع أهله أن يحموا أنفسهم، حتى لا يصبر على هذا الإيذاء إلا من ذاق حلاوة الإيمان مما يجعله لا يشعر بمرارة الاضطهاد ووطأة التعذيب ومشقته. فقال الحق سبحانه وتعالى: "ولا تهنوا فى ابتغاء القوم" أى لا تضعفوا فى طلب القوم.

 

وكلمة "لا تهنوا فى ابتغاء القوم" أى فى طلبهم تدل على أن المة الإسلامية ليس مطلوبا منها فقط ان تدفع عن نفسها عدواناً، بل عليها أن تطلب هؤلاء الذين يقفون فى وجه الدعوة لتؤدبهم حتى يتركوا الناس أحراراً فى أن يختاروا العقيدة.

 

إذن فالطلب منه سبحانه: ألاَ تهنوا ولا تضعفوا فى طلب القوم الذين يقفون فى وجه الدعوة. ثم قال سبحانه: "إن تكونوا تألمون فإنهم يالمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون" أى إنه إذا كان يصيبكم ألم الحرب والإعداد لها، فأنتم أيضاًتحاربون قوماً يصيبهم ألم المواقع والحروب والإعداد لها؛ فأنتم وهم متساوون فى إذراك الألم والمشقة والتعب، ولكن يجب ألا تغفلوا عن تقييم القوة فلا تهملوها؛ لأنها هى القوة المرجحة. فأنتم تزيدون عليهم أنكم ترجون من الله ما لايرجون. والأسياء يجب أن تُقَوم بغاياتها والثواب عليها. لا يقولن أحد أبداً "هذا يساوى ذلك".. فلا يهمل احد قضية الثواب على العمل. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى فلا شرح هذه المعادلة حتى تكون الذهان على بينة منها إعداداً وخوضاً للحرب وإحتمالاً لآلامها:

(قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)

(من الآية 52 سورة التوبة)

عليكم أيها الكافرون أن تعلموا ان الذى ينتظرنا هو غحدى الحسنين .. غما أن ننتصر ونقهركم، وإما أن نستشهد فنظفر بالحياة الأخرى . ومذا عن تربص المؤمنين بالكافرين:

(وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا)

(من الآية 52 سورة التوبة)

كفة من إذن هى الراجحة فى المعادلة؟ إنها كفة المؤمنين؛ لذلك قال الحق: "ولا تهنوا فى ابتغاء القوم ان تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون"  فلا تضعفوا أيها المؤمنون فى طلب القوم لأنهم يألمون كما تألمون، ولكن لكم مرجَحا أعلى وهو أنكم ترجون من الله ما لا يرجون.

 

ويذيل الحق قضية حث المؤمنين على طلب الكافرين وكيف يزيد المؤمنون على الكافرين بأنهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكافرون فيقول: "وكان الله عليماً حكيماً" إنه عليم بكل ما يصيب المؤمن من ألم، فلا تعتقد أيها المؤمن أن لك أجراً سيضيع منك؛ فالشوكة التى تشاك بها فى القتال محسوبة لك، وهو سبحانه وتعالى حين يتركك تألم أمام الكافر كما يألم . فذلك لحكمة هى أن تسير إلى القتال وأنت واثق من قدرة إيمانك على تحمل تبعات هذا الدين.

 

عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يُصيب المؤمنَ مِنْ شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة) (1) رواه مسلم فى البر.

 

 

وبعد أن تكلم الحق عن القتال فى سبيل نصرة دينه لم يحرم المؤمنين من توجيه يصفى ايضاً حركة الحياة، لماذا؟ لأنه علم أن قوماً يؤمنون به وينضوون تحت لوائه صلى الله عليه وسلم، فيوضح: أن اضواءكم أيها المؤمنون تحت لواء الإسلام له تبعات، فأنتم أول من يُطبق عليه حكم الله، وإياكم أن تظنوا أنكم بإيمانكم وإعلان إسلامكم لله واتباعكم لرسول الله قد أخذتم شيئاً يميزكم عن بقية خلق الله، فكما قلنا لكم دافعوا الكفار ودافعوا المنافقين نقول لكم أيضاً: دافعوا أنفسكم؛ لأن واحداً قد ينضم إلى الإسلام وبعد ذلك يظن أن الإسلام سيعطيه فرصة ليكون له تميز على غيره، ولمثل هذا الإنسان : نقول لا . ولذلك يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم ويقول له:

 

إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)